الجمعة 10 نيسان , 2026 03:17

مناورات العدو تنهار أمام تكتيكات الاستدراج: "مناطق القتل" تقلب المعادلة في الجنوب

جنود إسرائيليون ودبابة محترقة

استناداً إلى التقييم الميداني للوضعية العامة للجبهة اللبنانية بتاريخ التاسع من نيسان/أبريل 2026، يمكن رسم صورة شاملة ومترابطة للمشهد العسكري خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، والتي اتسمت بمحاولة إسرائيلية مكثفة لإحداث خرق ميداني نوعي تحت عنوان تدمير القدرات العسكرية للمقاومة، مقابل أداء ميداني متماسك ومرن من جانب الأخيرة، عكس قدرة عالية على امتصاص الهجوم وتحويله إلى فرصة استنزاف منهجي للقوات المهاجمة.

في هذا السياق، اعتمدت القوات الإسرائيلية على تمهيد ناري كثيف ومفرط، بهدف تفكيك خطوط الدفاع الأمامية للمقاومة وفصلها عن عمقها، مع محاولة الوصول إلى أهداف ذات رمزية معنوية مثل سوق بنت جبيل وبلدية الخيام. إلا أن هذا الأسلوب اصطدم بتكتيك مغاير تماماً اعتمدته المقاومة، قائم على ما يمكن وصفه بـ"الدفاع المرن والاستدراج"، حيث لم تتشبث بخطوط دفاع تقليدية، بل سمحت للقوات المتقدمة بالتوغل داخل بيئات عمرانية مُجهزة مسبقاً، لتتحول هذه المناطق إلى ساحات اشتباك قريبة تُفقد العدو ميزته الأساسية المتمثلة في التفوق الجوي.

وقد أظهرت إدارة العمليات لدى المقاومة مستوى عالياً من الاحتراف، سواء على صعيد القيادة والسيطرة أو التنسيق بين مختلف الوسائط القتالية. إذ نجحت في إدارة عشرات الاشتباكات المتزامنة عبر نطاق جغرافي واسع، مع الحفاظ على تماسك شبكة الاتصالات وقدرتها على العمل رغم القصف والتشويش. في المقابل، بدا واضحاً وجود خلل بنيوي في الأداء الإسرائيلي، تمثل في ضعف التنسيق بين القوات البرية والجوية، حيث وقعت الوحدات المتقدمة في كمائن متكررة، بينما عجز الإسناد الجوي عن توفير دعم فعّال في الوقت المناسب.

على مستوى التكتيك القتالي، اعتمدت المقاومة نموذج "دمج الأسلحة المشتركة"، فجمعت بين الصواريخ الموجهة ضد المدرعات، والطائرات المسيّرة الانقضاضية لاستهداف الأفراد والآليات، إضافة إلى الصواريخ التكتيكية التي أعاقت تحرك وحدات الدعم. هذا التكامل أتاح لها تفكيك البنية القتالية للقوات الإسرائيلية تدريجياً، بدءاً من استهداف الجرافات الهندسية من نوع D9، والتي تُعد العمود الفقري لفتح المحاور، مروراً بتعطيل ناقلات الجند المدرعة، وصولاً إلى كشف المشاة واستهدافهم بشكل مباشر.

في المقابل، بقي الأداء الإسرائيلي أسير العقيدة التقليدية، حيث اعتمد على تشكيلات نمطية تبدأ بالجرافات ثم المدرعات فالمشاة، وهو ما جعلها عرضة للتفكيك السريع بمجرد ضرب الحلقة الأولى في هذا التسلسل. وقد انعكس ذلك بوضوح في محاور الاشتباك الرئيسية، لا سيما في بنت جبيل والخيام والطيبة، حيث تحولت مناطق التوغل إلى "مناطق قتل" بفعل التكتيكات المعتمدة من قبل المقاومة.

أما على الصعيد الاستخباري، فقد أظهرت المقاومة قدرة لافتة على الرصد الميداني، سواء عبر الوسائل التقنية كالمسيّرات أو عبر المراقبة المباشرة، ما مكّنها من تحديد تحركات العدو بدقة واستهدافها في التوقيت المناسب. في المقابل، عانى الجانب الإسرائيلي من قصور واضح في بناء بنك أهداف فعّال داخل ساحة المعركة، ما دفعه إلى اللجوء لضرب أهداف في العمق المدني لتعويض هذا العجز.

وفي ميدان القتال البري، برز تحول نوعي في أسلوب المواجهة، حيث انتقلت المقاومة من الدفاع الخطي إلى "الدفاع النشط متعدد الطبقات"، القائم على الاستدراج والاشتباك من مسافات قريبة جداً. هذا الأسلوب قيّد فعالية سلاح الجو الإسرائيلي، الذي أصبح عاجزاً عن التدخل خوفاً من إصابة قواته، فيما أصبحت القوات البرية مكشوفة ومعزولة داخل بيئات معادية.

بالتوازي، حافظت المقاومة على وتيرة نارية عالية، نفذت خلالها عشرات العمليات خلال أقل من يوم، مع تركيز نيرانها على نقاط محددة بشكل متكرر لمنع تموضع قوات العدو أو إخلاء جرحاه. كما شكل استخدام الطائرات المسيّرة الانقضاضية تحولاً مهماً، خصوصاً لقدرتها على تجاوز أنظمة الحماية النشطة واستهداف الجنود داخل التحصينات والمباني بدقة عالية وكلفة منخفضة.

في المقابل، بدت مناورة النار الإسرائيلية أقرب إلى رد فعل يائس، حيث توسعت في استهداف البنى التحتية والمناطق الخلفية بهدف الضغط النفسي ومحاولة فك العزلة عن قواتها البرية، دون تحقيق نتائج حاسمة على الأرض. وقد رافق ذلك نشاط نفسي وإعلامي يسعى إلى إخفاء الخسائر وتضخيم صورة الإنجاز، في حين شكلت العمليات الميدانية للمقاومة بحد ذاتها رسالة نفسية معاكسة، تعكس فشل الخطط الإسرائيلية.

خلاصة المشهد تشير إلى أن القوات الإسرائيلية فقدت القدرة على تحقيق اختراق ميداني مستقر، مع تراجع زخمها الهجومي وتحول بعض وحداتها إلى وضعية دفاعية داخل مناطق الاشتباك. في المقابل، حافظت المقاومة على زمام المبادرة، سواء من خلال السيطرة على مجريات القتال أو عبر توسيع نطاق الاستهداف ليشمل العمق، ما يعزز فرضية انتقال المعركة إلى مرحلة استنزاف طويلة، قد تدفع العدو إما إلى الانكفاء تحت غطاء ناري كثيف، أو إلى محاولة تغيير تكتيكاته عبر التسلل أو فتح محاور جديدة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور