تُدار الحرب الحالية في سياق معقّد يتجاوز حدود العمليات العسكرية، إذ يمتدّ ليشمل الخطاب السياسي بوصفه أداة أساسية في تشكيل الإدراك العام، وبناء الشرعية، والتحكّم بمسارات التصعيد. وفي هذا الإطار، يُعدّ خطاب الإدارة الأميركية خلال الحرب على إيران نموذجًا دالًا على كيفية تحوّل الأهداف الاستراتيجية تبعًا لضغوط الميدان والتحوّلات السياسية.
خلال المرحلة الأولى من الحرب، التي امتدت من بداية آذار، اتّسم الخطاب الأميركي بتركيز واضح على الأهداف العسكرية التقليدية، حيث جرى التأكيد على تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية ومنع امتلاك السلاح النووي، مع إدخال بعد غير مباشر تمثّل في الرهان على إحداث تفكّك داخلي داخل النظام الإيراني. وقد حافظ الخطاب حينها على توازن نسبي بين التصعيد العسكري والانضباط السياسي، بما يعكس محاولة إبقاء المواجهة ضمن إطار حرب محدودة، ترافق مع توقّعات متفائلة بحسم سريع وقصير الأمد.
ومع تقدّم العمليات، بدأ الخطاب يشهد تحوّلًا تدريجيًا نحو توسيع نطاق الأهداف، إذ لم يعد مقتصرًا على البعد العسكري، بل امتدّ ليشمل الضغط الاقتصادي والطاقوي، مع التهديد بالممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز. هذا التحوّل عكس انتقالًا من منطق الحسم المباشر إلى استراتيجية ضغط مركّب تستهدف بنية الدولة الإيرانية بشكل أوسع. وفي الوقت نفسه، تصاعدت حدّة الخطاب بشكل ملحوظ، حيث برزت تهديدات أكثر صراحة باستهداف منشآت استراتيجية، ما أظهر بداية فجوة بين خطاب يتحدّث عن نهاية قريبة للحرب، وواقع ميداني يتطلّب تصعيدًا مستمرًا.
ومع نهاية آذار، دخل الخطاب الأميركي مرحلة من التناقض البنيوي، إذ بدأ يروّج لفكرة تحقيق الأهداف أو اقتراب تحققها، بالتوازي مع الاستمرار في التهديد بالتصعيد. هذا التناقض عكس محاولة لإدارة الرأي العام الداخلي عبر طمأنته من جهة، والاستمرار في ممارسة الضغط العسكري من جهة أخرى، من دون تقديم رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، ما كشف عن غياب استراتيجية خروج متماسكة.
وفي مطلع نيسان، بلغ الخطاب ذروة تحوّله، حيث انتقل من استهداف القدرات العسكرية إلى التلويح بضرب البنية التحتية المدنية، بما يشمل شبكات الكهرباء والجسور، في إطار تبنّي منطق "شلّ الدولة" بدل الاكتفاء بإضعاف قدراتها. وقد ترافق ذلك مع تصعيد غير مسبوق في اللغة المستخدمة، حيث بات الهدف المعلن هو فرض الاستسلام عبر الإكراه والتدمير الشامل، ما يمثّل انتقالًا نوعيًا من حرب ضد النظام إلى حرب ضد الدولة بكل مكوّناتها.
بناءً على ذلك، يظهر أن الخطاب الأميركي مرّ بمسار تصاعدي واضح، بدأ بضبط الأهداف ضمن إطار عسكري محدود، ثم توسّع ليشمل الضغط الاقتصادي، وصولًا إلى استهداف شامل للبنية التحتية. كما انتقل من خطاب يتسم بضبط نسبي إلى خطاب مفتوح على التصعيد، فيما تحوّلت التوقّعات من التفاؤل بحسم سريع إلى اعتماد منطق الإكراه الشامل. ويكشف هذا المسار عن تناقض داخلي بين إعلان قرب انتهاء الحرب واستمرار التصعيد، ما يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة لنهايتها، واحتمال الانزلاق نحو مواجهة أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
الكاتب: غرفة التحرير