في خضم حرب تعيد تعريف موازين القوى ومفاهيم التفوق والنجاح العسكري، يكشف إسقاط مقاتلة أميركية من طراز F-15E وما تلاها من عملية "إنقاذ" معقّدة بحسب مقال نشرته صحيفة الغارديان وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، عن وجه آخر للتصعيد له دلالات كبيرة. فبينما تُقاس الحروب عادة بحجم الضربات والتفوق الجوي بحسب الكاتب، تبرز هذه الواقعة لتؤكد أن لحظة واحدة غير محسوبة قد تعيد خلط الأوراق، وتمنح الآخر فرصة لإحداث تأثير "يتجاوز قدراته العسكرية المباشرة".
النص المترجم
إسقاط مقاتلة أميركية من طراز F-15E، بعد أسابيع من القصف المكثف على إيران، لم يكن مجرد حادث عسكري عابر، بل تحوّل سريعًا إلى حدث ذي أبعاد سياسية ودعائية معقدة. فبينما سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تقديم عملية إنقاذ أحد أفراد الطاقم كـ"انتصار"، في خطاب يعكس التزام واشنطن بعدم ترك أي جندي خلفها، كشفت تفاصيل العملية عن كلفة مرتفعة ومخاطر ميدانية كبيرة، تطرح تساؤلات جدية حول حدود القوة الأميركية في هذا النزاع.
ورغم أن كلفة الطائرة نفسها تُقدّر بنحو 31 مليون دولار، وقد تصل إلى 100 مليون في حال استبدالها، فإن العبء الحقيقي تمثّل في عملية الإنقاذ التي بدت أكثر خطورة من المهمة القتالية الأصلية. إذ أدى قرار استخدام مدرج جوي إيراني مهجور جنوب أصفهان كنقطة انطلاق إلى تعقيدات غير متوقعة، بعد أن علقت طائرتا نقل من طراز C-130، يُرجّح أنهما معدّلتان لعمليات البحث والإنقاذ، ما اضطر القوات الأميركية إلى "تدميرهما" لمنع وقوعهما بيد الإيرانيين. ومع تضرر مروحية HH-60 بنيران أرضية، تجاوزت كلفة الخسائر 250 مليون دولار، في عملية خُصصت أساسًا لإنقاذ فرد واحد.
صحيح أن خسارة معدات عسكرية تُعد جزءًا من منطق الحروب، خاصة بالنسبة لقوة بحجم الولايات المتحدة التي تمتلك مئات الطائرات من هذا النوع، إلا أن ندرة مثل هذه الحوادث — إذ يعود آخر إسقاط لطائرة أميركية إلى عام 2003 — جعلت منها حدثًا ذا وقع خاص. فالتفوق الجوي الأميركي-الإسرائيلي، رغم شدته وتنفيذه مئات الغارات يوميًا، تبيّن أنه ليس مطلقًا كما يُروّج له، وأن إيران لا تزال قادرة على إحداث خروقات مؤثرة.
في المقابل، شكّلت عملية الإنقاذ ضرورة سياسية، إذ إن وقوع أي من أفراد الطاقم في الأسر كان سيمنح طهران مكسبًا استراتيجيًا وإعلاميًا كبيرًا، يعيد إلى الأذهان أزمة الرهائن في السفارة الأميركية أواخر السبعينيات، وما حملته من تداعيات داخلية على الإدارة الأميركية. ومع ذلك، فإن "نجاح" الإنقاذ لم يُخفِ حجم المخاطر التي رافقته، ولا حقيقة أن القوات الأميركية اضطرت للعمل في بيئة معادية، معتمدة على تغطية الطائرات المسيّرة لتأمين محيط العمليات.
هذه الحادثة تعيد طرح تساؤلات أوسع حول جدوى أي تصعيد بري محتمل داخل إيران، خصوصًا في ظل الحديث عن سيناريوهات تهدف إلى السيطرة على مواقع حساسة، مثل مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب المدفونة في أصفهان. فالتجربة أظهرت أن مجرد عملية إنقاذ محدودة قد تتحول إلى مهمة عالية الكلفة والتعقيد، ما يثير الشكوك حول إمكانية تنفيذ عمليات أكبر دون خسائر جسيمة.
ورغم أن إيران تتعرض لضربات جوية مكثفة تجاوزت 15 ألف غارة، فإنها لا تزال قادرة على استثمار أي خسارة أميركية أو إسرائيلية، مهما كانت محدودة، وتحويلها إلى إنجاز دعائي. وهذا ما يعكس طبيعة الحروب غير المتكافئة، حيث لا يحتاج الطرف الأضعف إلى التفوق المستمر، بل يكفيه تحقيق اختراق واحد لإحداث تأثير يتجاوز حجمه العسكري المباشر.
في المحصلة، تكشف هذه الواقعة أن ميزان القوة، رغم اختلاله الظاهر، لا يلغي قدرة الطرف الأضعف على التأثير، وأن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم النيران، بل أيضًا بقدرة كل طرف على إدارة الرواية واستثمار اللحظات الحرجة.
المصدر: The Guardian
الكاتب: دان صباغ