تعكس إقالة الجنرال راندي جورج من رئاسة أركان الجيش الأميركي خلال الحرب الجارية ضد إيران تحوّلاً واضحاً في العلاقة بين القرارين السياسي والعسكري داخل الولايات المتحدة. التوقيت بحد ذاته يحمل دلالات ثقيلة، إذ يأتي بينما تتصاعد احتمالات الانخراط البري، وتُحشد وحدات نخبوية في الشرق الأوسط، ما يجعل أي تغيير في قمة الهرم القيادي خطوة ذات كلفة محتملة على مستوى التخطيط والتنفيذ، كما تثير جملة من التساؤلات عن الأسباب التي تقف وراء هذا القرار في خضم حرب معقدة كهذه.
يقدم التاريخ العسكري الأميركي سوابق مشابهة، تكشف أن الإقالة خلال الحروب ليست استثناء، لكنها غالباً ما ترتبط بسببين رئيسيين: إخفاق ميداني أو تباين في الرؤية مع القيادة السياسية. وهنا يمكن الحديث عن عدة شواهد تاريخية مشابهة كتلك التي جرت خلال حرب فيتنام، حيث أبعد ويليام ويستمور لاند بعد هجوم التيت، حين أظهرت الوقائع الميدانية فجوة بين التقديرات العسكرية والواقع العملياتي. وعلى الرغم من أن الهجوم لم يكن هزيمة عسكرية صرفة، بقدر ما كان ضربة استراتيجية للرؤية الأميركية حول مسار الحرب. الأمر نفسه ينسحب على ما جرى في أفغانستان، حين أقيل ستانلي ماكريستال عام 2010 بعد أزمة ثقة مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، نتيجة تباين في مقاربة إدارة الحرب، خاصة في ما يتعلق بمستوى التصعيد وحدود العمل مع الحلفاء المحليين والتي كانت تختلف درجة الوثوق بهم وبأهدافهم أيضاً.
بالنسبة لاقالة جورج مع عدد من الجنرالات أيضاً، تشير المعطيات المتداولة في واشنطن إلى أن القرار يرتبط بإعادة تشكيل القيادة العسكرية بما يتناسب مع توجهات إدارة دونالد ترامب. اذ يقود وزير الدفاع بيت هيغسيث عملية إعادة ترتيب داخلية طالت عدداً من كبار الضباط، في سياق يُفسَّر على أنه سعي لتقليص نفوذ القيادات المرتبطة بالإدارة السابقة بقيادة جو بايدن. هذا التوجه يعكس مقاربة تعتبر الانسجام السياسي داخل المؤسسة العسكرية شرطاً لفعالية القرار.
كما يعزز تعيين كريستوفر لانيف قائماً بالأعمال هذا الانطباع.اذ ُينظر إلى لانيف كشخصية تحظى بثقة مباشرة من الدائرة السياسية، وعلى ما يبدو أن الاختيار لم يأخذ بعين الاعتبار الكفاءة العملياتية وحدها، إنما كان من الضروري أن يمتلك القدرة على التماهي مع توجهات القيادة السياسية.
ويمكن الحديث عن عدد من التداعيات لهذه الاقالات. أولاً، على المستوى العملياتي، أي تغيير مفاجئ في القيادة العليا خلال مرحلة تحضير أو انخراط في عمليات يخلق فجوة زمنية في نقل المسؤوليات وإعادة ضبط الأولويات. هذه الفجوة قد لا تكون ظاهرة في المدى القصير، لكنها تؤثر على تماسك القرار العسكري مع تطور المعركة. ثانياً، على مستوى المؤسسة، تتأثر معنويات الضباط، خاصة عندما يُفهم أن الترقية أو الإبعاد قد يرتبطان بعوامل سياسية، ما يضعف منطق المهنية الذي يشكل أساس العقيدة العسكرية الأميركية.
ثالثاً، على مستوى العلاقة بين المدني والعسكري، تفتح هذه الخطوة نقاشاً حول حدود تدخل القيادة السياسية في التعيينات خلال الحروب. في التجربة الأميركية، السيطرة المدنية على الجيش مبدأ راسخ، لكنه كان يُمارس عادة ضمن توازن يحافظ على استقلالية القرار العسكري في إطاره المهني. كسر هذا التوازن خلال نزاع مفتوح يعيد تعريف قواعد اللعبة داخل البنتاغون.
أخيراً، في سياق الحرب ضد إيران، حيث تتسم المواجهة بحساسية عالية واحتمالات تصعيد متعددة، يصبح استقرار القيادة عنصراً من عناصر القوة. قد تُقرأ أي إشارة إلى اضطراب داخلي في بنية القرار من قبل الخصوم كعلامة على ارتباك أو إعادة تموضع، ما ينعكس على حسابات الردع. وهذا بالفعل ما بدأ يتلمسه الشارع الأميركي أولاً، مع التخبط الملحوظ في أداء الادارة الأميركية، على المستوى السياسي من ناحية وإدارة المشهد الاقتصادي من ناحية أخرى، والتي لا تقف عند التورط بحرب رفعت أسعار النفط، بل تتعداه إلى جملة من الملفات التي باتت تُقرأ على أنها هروب إلى الأمام للتخلص من الضغط الشعبي الداخلي. وربما استطلاعات الرأي التي تظهر التأييد المتدنٍ لترامب، خير دليل على ذلك.
الكاتب: غرفة التحرير