لم تعد إيران تتفاوض مع الولايات المتحدة، لا لأنها عاجزة عن ذلك، بل لأنها لم تعد ترى في التفاوض أداة تُنتج نتائج. ما تغيّر ليس السلوك الإيراني، بل تعريف اللعبة نفسها. فحين تفقد القواعد قدرتها على ضبط التوازن، يصبح الخروج منها أكثر عقلانية من الالتزام بها. ما يجري اليوم في غرب آسيا ليس أزمة عابرة، بل لحظة اختبار لنظام استمر نصف قرن: نظام البترودولار، ونظام الحماية الأمريكية، ونظام التراتبية الإقليمية الذي صيغ منذ السبعينيات. في هذا السياق، تتحرك طهران كقوة لا تسعى إلى تعديل موقعها داخل النظام، بل إلى إنهاء صلاحيته.
هذه القراءة تتقاطع مع طرح الدبلوماسي البريطاني السابق أليستر كروك، لكنها تذهب خطوة أبعد: إيران لا ترفض التسوية لأنها متشددة، بل لأنها لم تعد ترى في التسوية سوى إعادة إنتاج للقيود نفسها بأدوات مختلفة. الفارق هنا جوهري: بين من يفاوض لتحسين الشروط، ومن يفاوض فقط حين يضمن تغيير القواعد.
تفكيك النظام: من الأطراف لا من المركز
على مدى عقود، بُني النظام الإقليمي على معادلة واضحة: أمن مقابل تدفقات مستقرة للطاقة، ودولار مقابل نفط، وغطاء عسكري مقابل ولاء سياسي. هذا الترتيب لم يكن هشًا، بل كان شديد الصلابة إلى حد أنه بدا وكأنه طبيعي. غير أن ما يحدث اليوم يكشف عكس ذلك: الأنظمة الأكثر استقرارًا هي الأكثر عرضة للانهيار حين تتعرض لضغط خارج نموذجها.
إيران لا تهاجم هذا النظام من مركزه، بل من أطرافه. لا تسعى لإسقاطه بضربة واحدة، بل لإرباكه تدريجيًا حتى يفقد تماسكه. هذه ليست مواجهة مباشرة، بل عملية تفكيك بطيئة، أقرب إلى سحب الأعمدة من تحت بناء لا يزال قائمًا.
في هذه اللحظة تحديدًا، لا تحاول إيران تعطيل السوق، بل وراثته.
الجغرافيا حين تتحول إلى قرار
القوة، في صورتها التقليدية، تُقاس بحجم الجيوش. أما في هذه المرحلة، فهي تُقاس بالقدرة على التحكم في المسارات. هنا يكتسب مضيق هرمز معنى يتجاوز الجغرافيا. إنه ليس مجرد ممر، بل أداة قرار: من يمر، كم يمر، وإلى أين.
هذا التحول في وظيفة الجغرافيا هو ما يجعل الصراع الحالي مختلفًا. فبدل أن تكون الممرات نقاط عبور محايدة، أصبحت أدوات تأثير مباشر في السوق. ومن يمتلك القدرة على التأثير في تدفق النفط، يمتلك قدرة غير مباشرة على إعادة تشكيل توازنات الاقتصاد العالمي.
ما كان يُدار سابقًا عبر الأسواق، أصبح يُدار الآن عبر الجغرافيا.
الزمن كأداة قتال
الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة هذا الصراع هو التعامل معه كحرب تقليدية تبحث عن نهاية واضحة. ما يحدث أقرب إلى اختبار قدرة: من يستطيع الصمود أكثر، ومن يستطيع تحويل الزمن إلى أداة ضغط.
إيران لا تحتاج إلى انتصار سريع، بل إلى إطالة أمد المواجهة. كل فترة إضافية لا تُحسب فقط بالكلفة، بل بتراكم الأثر. في المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة مختلفة: فائض قوة لا يترجم إلى حسم، وقدرة عسكرية لا تنتج نتائج سياسية متناسبة.
المشكلة ليست في تراجع القوة الأمريكية، بل في فجوة متزايدة بين ما تملكه من أدوات وما تستطيع تحقيقه بها.
وهذه الفجوة، حين تستمر، تتحول من مشكلة تكتيكية إلى خلل بنيوي.
الخليج: التوازن بدل الاصطفاف
في هذا المشهد، لم تعد دول الخليج تتصرف كأطراف تابعة، بل كفاعلين يحاولون تقليل المخاطر. لم يعد السؤال: مع من نقف؟ بل: كيف نتجنب أن نُستدرج إلى مواجهة لا نملك التحكم بمآلاتها؟
الرهان على فك ارتباط الخليج بالولايات المتحدة يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا. هذه الدول لا تبحث عن بديل جاهز، بل عن مساحة حركة أوسع. لذلك، ما نشهده ليس انتقالًا من محور إلى آخر، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع الجميع.
التغيير هنا لا يحدث عبر القطيعة، بل عبر تقليل الاعتماد.
دعم محسوب: حدود البراغماتية
في الخلفية، تتحرك كل من روسيا والصين ضمن منطق مختلف: دعم دون التزام كامل. فإيران، بالنسبة لهما، ليست حليفًا تقليديًا، بل عنصر توازن.
هذا النوع من الدعم يحمل مفارقة واضحة: يمنع الهزيمة، لكنه لا يضمن النصر. وهو ما يضع إيران في موقع معقد؛ تستفيد من شبكة دعم، لكنها لا تستطيع الاعتماد عليها بشكل مطلق.
في هذا النوع من الصراعات، لا أحد يقاتل عن أحد، بل الجميع يستثمر في بقاء الجميع.
أين قد تكون الحسابات مضللة؟
رغم تماسك هذا التصور، إلا أنه ليس محصنًا من الأخطاء. الافتراض بأن التحكم في مسارات الطاقة يمكن أن يستمر دون ردود فعل قد يكون مبالغًا فيه. الأسواق لا تبقى ساكنة، والدول الكبرى لا تقبل بسهولة بإعادة تعريف قواعد اللعبة على حسابها.
كذلك، فإن الرهان على تراجع الإرادة الأمريكية قد لا يأخذ في الاعتبار قدرة واشنطن على إعادة تنظيم نفسها تحت الضغط. التاريخ الأمريكي مليء بلحظات تراجع أعقبها تصعيد أكثر حدة.
أما داخليًا، فإن كلفة الصراع الطويل لا تبقى خارج الحدود. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد تتحول، مع الوقت، إلى عامل لا يقل تأثيرًا عن أي ضغط خارجي.
ما الذي يتغير فعليًا؟
التحول الأهم لا يتعلق بمن يربح هذه الجولة، بل بكيفية إعادة تعريف القوة. لم تعد القوة مجرد قدرة على الردع، بل قدرة على التحكم في التدفقات: الطاقة، المال، والممرات.
إذا نجحت إيران في فرض جزء من هذه المعادلة، فإنها لن تكون قد غيرت موقعها فقط، بل غيرت طبيعة اللعبة نفسها. وإذا فشلت، فإن كلفة المحاولة ستبقى كافية لإرباك النظام القائم لسنوات.
الخلاصة
إيران لا تتحرك داخل النظام، بل على حوافه، حيث تصبح القواعد أقل صلابة وأكثر قابلية للكسر.
والولايات المتحدة لا تواجه خصمًا تقليديًا، بل نمطًا مختلفًا من الصراع لا يمنحها فرصة استخدام تفوقها بالطريقة التي اعتادت عليها.
ما يتشكل اليوم ليس توازنًا جديدًا بقدر ما هو فقدان تدريجي لفكرة التوازن نفسها.
ولهذا تحديدًا، قد لا تكون نهاية هذه المواجهة لحظة حسم، بل لحظة اعتراف:
أن النظام الذي حكم هذه المنطقة لعقود لم يعد قادرًا على الاستمرار بالشكل ذاته، وأن العالم بدأ، بالفعل، يتصرف على هذا الأساس. ما نشهده ليس انتقالًا في موازين القوة، بل بداية نهاية النظام الذي كان يحددها.
الكاتب: خليل القاضي