الثلاثاء 31 آذار , 2026 03:16

جيوب القتل مقابل الأرض المحروقة: قراءة في تحولات الميدان جنوب لبنان

عمليات المقاومة الإسلامية

لم تعد المواجهة في الجبهة الجنوبية مجرد تبادل ناري تقليدي، بل تحولت إلى نموذج مركّب من الحروب متعددة الأبعاد، يجمع بين القتال البري المرن، والإسناد الصاروخي العميق، والحرب النفسية المتبادلة. خلال الساعات الأربع والعشرين التي يغطيها التقييم، برزت ملامح تحول استراتيجي واضح في إدارة المعركة، عنوانه الأساسي: تفوق تكتيكي للمقاومة مقابل عجز بنيوي لدى جيش العدو عن تحقيق إنجاز بري حاسم.

في المشهد العام، اتسمت العمليات بكثافة نارية وتعقيد تكتيكي غير مسبوقين، حيث نفذت المقاومة أربعين عملية عسكرية نوعية امتدت من الخطوط الأمامية عند الناقورة إلى عمق يصل إلى تل أبيب، ما يعكس قدرة عالية على إدارة مسرح عمليات متعدد المستويات. اللافت في هذا السياق هو حجم الخسائر التي تكبدها سلاح المدرعات الإسرائيلي، مع تدمير ما يقارب ثلاث عشرة دبابة ميركافا، الأمر الذي يشير إلى فشل واضح في حماية القوة المدرعة، التي تشكل تقليديًا عماد المناورة البرية الإسرائيلية.

هذا الفشل دفع العدو إلى اعتماد سياسة تعويضية تقوم على تكثيف القصف الجوي واستهداف العمق المدني اللبناني، ضمن ما يُعرف بسياسة الأرض المحروقة، في محاولة لإحداث تأثير نفسي واستراتيجي يعوّض العجز الميداني. إلا أن هذا التحول بحد ذاته يعكس مأزقًا عملياتيًا، إذ يؤكد عدم قدرة القوات البرية على تثبيت اختراقات مستدامة أو تأمين بيئة مناورة آمنة.

على المستوى العملياتي، أظهرت منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة مرونة عالية، حيث نجحت في إدارة عمليات متزامنة على عدة محاور، مستفيدة من مبدأ اللامركزية في التنفيذ، الذي منح القادة الميدانيين حرية اتخاذ القرار وفق تطورات الميدان. وقد ساهم هذا النمط في امتصاص تأثير الضربات الجوية، والحفاظ على تماسك البنية القتالية.

في المقابل، حاول العدو الدفع بقواته عبر ثلاثة محاور رئيسية: الغربي، والأوسط، والشرقي. إلا أن هذه المحاولات اصطدمت بتكتيكات دفاعية متقدمة، أبرزها استدراج القوات إلى "جيوب قتل" معدة مسبقًا، خاصة في محوري عيناتا والقوزح، حيث تكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة دون تحقيق أهدافها. كما جرى استهداف تجمعات العدو قبل بدء الهجوم، ما أفقده عنصر المبادرة.

تكتيكيًا، اعتمدت المقاومة على مزيج من الدفاع النشط والكمائن المركبة، حيث تحولت القرى الجنوبية إلى بيئة قتالية معادية للدروع، عبر زرع العبوات واستخدام الصواريخ الموجهة. كما برزت عمليات نوعية لافتة، مثل الإغارة في مارون الراس، التي جسدت قدرة عالية على المناورة في بيئة مكشوفة ومعقدة، وتنفيذ ضربات دقيقة ثم الانسحاب الآمن.

إلى جانب القتال البري، لعبت مناورة النار دورًا حاسمًا في المعركة، حيث استهدفت المقاومة مراكز الثقل الاستراتيجية للعدو، من بينها قاعدة غليلوت الاستخباراتية، وقاعدة حيفا البحرية، إضافة إلى مواقع دفاعية وبنى تحتية عسكرية. وقد امتدت هذه الضربات إلى عمق يصل إلى مئة وعشرة كيلومترات، ما يؤكد فشل منظومات الدفاع في منع التهديد الصاروخي.

في المقابل، ركز العدو على استهداف خطوط الإمداد والبنية التحتية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، في محاولة لعزل مسرح العمليات وشل القدرة اللوجستية للمقاومة. إلا أن استمرار العمليات القتالية بوتيرة عالية، خاصة في مناطق مثل عيناتا، يؤكد فشل هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها.

على صعيد الدفاع الجوي، تمكنت المقاومة من إعاقة عمل المروحيات وإسقاط مسيرات استطلاع، ما حدّ من قدرة العدو على جمع المعلومات وتقديم الإسناد القريب، وهو عنصر أساسي في الحروب الحديثة.

أما في البعد النفسي، فقد أظهرت المقاومة تفوقًا واضحًا من خلال نشر بيانات دقيقة ومقاطع ميدانية توثق العمليات، ما عزز الثقة لدى بيئتها الحاضنة. في المقابل، لجأ العدو إلى التعتيم الإعلامي واستخدام الدخان للتغطية على خسائره، في مؤشر على أزمة ثقة داخل صفوفه.

خلاصة المشهد تشير إلى معادلة جديدة: تفوق ناري وتكتيكي للمقاومة مقابل عجز إسرائيلي عن الحسم البري أو تحييد التهديد الصاروخي. ومع استمرار هذا الواقع، يُرجح أن يتجه العدو نحو تصعيد الغارات على المدنيين، بينما تواصل المقاومة اعتماد استراتيجية الدفاع المرن والاستنزاف، مع الحفاظ على القدرة على ضرب العمق، بما يكرّس توازن ردع متصاعد.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور