لم يكن التاريخ يومًا شاهدًا محايدًا على الحروب، بل كان دائمًا سجلًا صارخًا لفشل محاولات فرض الوقائع بالقوة. من فيتنام إلى العراق، ومن أفغانستان إلى لبنان ومن غزة إلى إيران، تتكرر القاعدة ذاتها: ما يُفرض تحت ضغط النار لا يستقر، وما يُبنى على الإكراه ينهار عند أول اختبار حقيقي للتوازن. وفي غزة، يبدو أن هذه القاعدة تُختبر مجددًا، لكن هذه المرة ضمن سياق إقليمي أكثر تعقيدًا، وأكثر تشابكًا، وأكثر خطورة.
في قلب هذه الحرب الإقليمية المتسعة، لم تعد غزة مجرد ساحة مواجهة عسكرية بين طرفين غير متكافئين، بل تحولت إلى مختبر سياسي مفتوح لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني. إنها لحظة تتجاوز الحرب بمعناها التقليدي، لتدخل في مشروع إعادة تشكيل شامل، تُستخدم فيه أدوات الحرب، والحصار، والمساعدات الإنسانية، والوساطة الدولية، كأدوات ضغط ضمن معادلة واحدة: الإخضاع مقابل البقاء.
غزة كمختبر لإعادة التشكيل
ما يُطرح اليوم ليس مجرد تسوية، بل إعادة تعريف كاملة لمفهوم "اليوم التالي" في غزة. فبدلاً من أن يكون هذا اليوم امتدادًا منطقيًا لوقف الحرب، أصبح شرطًا مسبقًا لها. وبدلاً من أن تبدأ العملية بوقف إطلاق النار، يجري القفز مباشرة إلى سؤال السلاح، وكأن المشكلة في غزة ليست احتلالًا ولا حصارًا، بل "بنية مقاومة" يجب تفكيكها أولًا، قبل أي حديث عن إعادة الإعمار أو الحقوق.
هذا التحول ليس تفصيلاً تقنيًا في مسار التفاوض، بل يعكس انقلابًا استراتيجيًا في مقاربة الملف الفلسطيني. فالمعادلة التقليدية التي حكمت النزاعات سابقًا – وقف إطلاق النار، ثم الإغاثة، ثم المسار السياسي – جرى قلبها بالكامل. اليوم، تُطرح الإغاثة كأداة ضغط، ويُستخدم الإعمار كرافعة سياسية، ويُعاد تعريف الحقوق الإنسانية باعتبارها امتيازات مشروطة.
قلب قواعد التفاوض
في هذا السياق، تبرز العودة اللافتة للوساطات الدولية بصيغتها الجديدة، والتي لا تحمل في طياتها ملامح مبادرة بقدر ما تعكس لغة إنذار. الطروحات المتداولة حول نزع السلاح لا تتضمن ضمانات حقيقية، لا لوقف دائم لإطلاق النار، ولا لانسحاب كامل، ولا حتى لآليات واضحة لإعادة الإعمار. إنها صيغة قائمة على فرضية أحادية: تقديم التنازل أولًا، ثم انتظار المقابل لاحقًا، إن وُجد.
هذه المقاربة تكشف خللًا بنيويًا عميقًا في ميزان التفاوض. فالمطلوب من طرف يعيش تحت الاحتلال والحصار أن يتخلى عن أدوات قوته الوحيدة، دون أي ضمانات سياسية أو أمنية أو حتى إنسانية. وهذا ليس تفاوضًا بالمعنى الحقيقي، بل إعادة صياغة للعلاقة بين القوة والحق، بحيث يصبح الحق تابعًا للقوة، لا العكس.
اختلال ميزان القوة
لكن الأخطر من ذلك، أن هذا المسار لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع. فالتصعيد في أكثر من ساحة – من إيران إلى لبنان – خلق بيئة استراتيجية تحاول فيها القوى الكبرى تعويض عجزها عن تحقيق حسم شامل، عبر تحقيق "إنجازات جزئية" في ساحات أكثر هشاشة. وغزة، بفعل حجم الدمار والمعاناة الإنسانية، تبدو في هذا المنطق الساحة الأكثر قابلية للضغط.
غير أن هذا التقدير ينطوي على خطأ جوهري. إذ يفترض أن الضغط العسكري والإنساني يمكن أن يتحول تلقائيًا إلى مكاسب سياسية مستقرة. لكن التجارب تثبت العكس تمامًا. فكل تسوية تُفرض تحت الإكراه، دون توافق أو ضمانات، تتحول إلى هدنة مؤقتة، لا إلى حل دائم. بل إنها غالبًا ما تُعيد إنتاج أسباب الصراع بشكل أكثر حدة وتعقيدًا.
وهم الحسم بالقوة
ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح، على سبيل المثال، لا يؤدي إلى تهدئة، بل إلى تعميق الأزمة. لأنه يضع المجتمع الفلسطيني أمام معادلة وجودية: إما التخلي عن أدوات الدفاع في ظل استمرار التهديد، أو القبول باستمرار المعاناة. وفي مثل هذه الحالات، لا تنتج البراغماتية، بل ينتج التشدد. ولا تُفتح أبواب الحل، بل تتكرس بيئة الانفجار.
من هنا، يمكن فهم الموقف المتوقع للفصائل الفلسطينية، ليس فقط من زاوية أيديولوجية، بل من زاوية حسابات واقعية بحتة. فالسلاح، في ظل غياب أفق سياسي وضمانات دولية حقيقية، لا يُنظر إليه كأداة تفاوضية يمكن التنازل عنها، بل كعنصر توازن استراتيجي، أو حتى كشرط للبقاء. والتخلي عنه في هذه اللحظة، يعني الدخول في فراغ أمني وسياسي مفتوح على كل الاحتمالات.
معادلة السلاح والوجود
هذا ما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التعقيد، لا للانفراج. فالفجوة بين الأطراف ليست تقنية، بل بنيوية. إنها فجوة ثقة، وفجوة أهداف، وفجوة في تعريف أساس المشكلة نفسها. وفي ظل غياب إطار متوازن للتفاوض، ستبقى كل المبادرات تدور في حلقة مفرغة من الضغط والرفض، دون القدرة على تحقيق اختراق حقيقي.
الأكثر خطورة في هذا المشهد، هو التحول في وظيفة الحرب ذاتها. فالحرب لم تعد مجرد وسيلة لتحقيق أهداف عسكرية، بل أصبحت أداة لإعادة صياغة الواقع السياسي. وعندما تتحول المعركة إلى منصة لفرض ترتيبات مسبقة، فإن ذلك يعني عمليًا تجاوز مبدأ التفاوض، واستبداله بمنطق الإملاء.
من الحرب إلى الإملاء السياسي
وهذا التحول لا يهدد فقط فرص الحل، بل يعيد إنتاج الصراع بشكل أكثر تعقيدًا. لأن أي واقع يُفرض بالقوة، دون قبول أو توافق، يحمل في داخله بذور انهياره. وغزة، التي اختُبرت فيها هذه المعادلة مرارًا، تبدو اليوم على أعتاب اختبار جديد، لكن ضمن شروط أكثر قسوة، وسياق أكثر انفجارًا.
في المحصلة؛ لا يبدو أن المسار المطروح قادر على إنتاج استقرار حقيقي. فغياب التوازن، وانعدام الضمانات، وتضارب الأهداف، كلها عوامل تجعل من "اليوم التالي" مجرد امتداد للأزمة، لا نهاية لها. بل إن محاولة فرض هذا اليوم قبل انتهاء الحرب فعليًا، قد تؤدي إلى ترسيخ حالة من الرفض العميق، تُعقّد أي تسوية مستقبلية.
غزة اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل ساحة اختبار لإرادات سياسية متصارعة، تحاول كل منها فرض رؤيتها بالقوة. لكن التاريخ، الذي لم يتغير، يظل يهمس بالحقيقة ذاتها: ما يُبنى على الإكراه لا يدوم، وما يُفرض بالسلاح لا يصمد.
السؤال الحقيقي، إذًا، لم يعد: هل يمكن تمرير هذه الشروط؟ بل: هل يمكن لها أن تعيش؟
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]