الأربعاء 25 آذار , 2026 03:34

إدارة التصعيد في الحرب الإيرانية: من كسر الردع إلى هندسة الصراع

صواريخ إيرانية ومضيق هرمز

في ظلّ التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران بوصفها نموذجًا مركّبًا لصراع يتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية، ليدخل في نطاق التفاعلات الديناميكية المتراكمة التي تعيد تشكيل طبيعة الحروب الحديثة. لم يعد الصراع مجرّد مواجهة مباشرة تُحسم بضربة افتتاحية أو تفوّق ناري، بل تحوّل إلى سلسلة مترابطة من الأفعال وردود الأفعال، حيث يصبح كل قرار أو ضربة أو حتى تصريح سياسي حلقة في متتالية معقّدة تحكم مسار الحرب واتجاهاتها.

منذ اللحظة الأولى لانطلاق المواجهة، بدا واضحًا أن محاولة فرض الردع المسبق قد فشلت. فالضربة الافتتاحية التي استهدفت القيادة الإيرانية لم تُحقق هدفها في شلّ القدرة على الرد أو فرض حالة من الانهيار المبكر، بل على العكس، دفعت الصراع إلى الدخول في منطق "المتتاليات التصاعدية"، حيث يتحول كل فعل إلى محفّز لفعل مضاد، وكل رد إلى نقطة انطلاق لجولة جديدة من التفاعل. هذا التحول البنيوي في طبيعة الحرب شكّل الإطار الحاكم للسلوك الإيراني، الذي لم يكتفِ بالرد، بل سعى إلى إدارة هذا التسلسل بما يحقق له أفضلية نسبية في ميزان الكلفة والنتائج.

أحد أبرز ملامح هذا السلوك تمثّل في سرعة الاستجابة وقدرتها على نفي أثر الضربة الأولى. فبدل أن تستوعب إيران الضربة ثم تتجه نحو التهدئة أو التفاوض، بادرت إلى رد عسكري سريع ومتعدد المستويات، شمل استهدافات مباشرة وإشراك حلفاء إقليميين، ما أسقط فرضية "الضربة القاصمة" وأعاد تثبيت معادلة الاستمرارية. هذا النمط من الرد لم يكن عفويًا، بل يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الحرب الحديثة، حيث تكمن الخطورة الحقيقية في الصورة الذهنية التي يحاول الطرف المهاجم ترسيخها، أكثر من الضربة نفسها.

ومع تطور المواجهة، انتقل السلوك الإيراني من مرحلة الردود التكتيكية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تمثّلت في توسيع المجال العملياتي للصراع. لم تعد المواجهة محصورة في الجغرافيا المباشرة، بل امتدت إلى البحر، والقواعد العسكرية الإقليمية، وحتى الفضاء الاقتصادي العالمي. وقد ظهر ذلك بوضوح في استهداف البنية البحرية الأمريكية، وفرض معادلات جديدة في مضيق هرمز، حيث لم يعد المضيق مجرد ورقة تهديد، بل تحوّل إلى أداة سيطرة فعلية تؤثر في سوق الطاقة العالمي.

هذا التوسّع لم يكن انفلاتًا تصعيديًا، بل اتّسم بدرجة عالية من الضبط. فقد اعتمدت إيران سياسة "التصعيد المشروط"، خاصة تجاه دول الجوار، حيث ربطت استهدافها بسلوك تلك الدول ومدى انخراطها في العمليات العسكرية. هذا النمط يعكس انتقالًا من ردود الفعل المباشرة إلى سلوك استراتيجي يوازن بين توسيع الضغط وتفادي فتح جبهات غير ضرورية، وهو ما يشير إلى إدارة محسوبة للتصعيد لا إلى اندفاع غير منضبط.

الأهم من ذلك، أن إيران لم تكتفِ بمجاراة التصعيد، بل عملت على إنتاج قواعد اشتباك جديدة تحكم الصراع. فقد ظهرت معادلات مثل "الطاقة مقابل الطاقة" و"البنية مقابل البنية"، ما يعني أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية سيقابله استهداف مماثل في الطرف الآخر أو في محيطه الإقليمي. هذه القواعد لم تكن مجرد تهديدات، بل تم تثبيتها عبر أفعال ميدانية، ما أعطاها مصداقية وحوّلها إلى جزء من بنية الحرب نفسها.

وفي موازاة ذلك، شهد الصراع انتقالًا تدريجيًا في مركز ثقله، من الداخل الإيراني إلى الإقليم، ثم إلى الاقتصاد العالمي. فقد أصبحت أسواق الطاقة، والممرات البحرية، والبنى الاقتصادية أهدافًا رئيسية في المعركة، ما أدى إلى تدويل الكلفة وتوسيع نطاق التأثير. هذا التحول يعكس إدراكًا بأن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل أيضًا في القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي والضغط على الخصم عبر أدوات غير تقليدية.

رغم هذا التصعيد، يظهر بوضوح أن السلوك الإيراني لم يكن يهدف إلى الانفجار الشامل، بل إلى إدارة التصعيد ضمن سقوف مدروسة. ويتجلّى ذلك في استخدام التهديد بدل التنفيذ في بعض الحالات، وفي الردود المحسوبة قرب المنشآت الحساسة، خصوصًا النووية، حيث تم الحفاظ على مستوى عالٍ من الضغط دون تجاوز العتبات الخطرة التي قد تؤدي إلى انفلات غير قابل للسيطرة.

في المحصلة، تكشف هذه الحرب أن معيار النجاح لم يعد القدرة على منع الحرب أو إنهائها سريعًا، بل القدرة على إدارة مسارها وتوجيه متتالياتها. فإيران، رغم عدم قدرتها على منع الفعل الأمريكي في البداية، نجحت في منع الحسم السريع، والحفاظ على استمرارية المواجهة، ونقل الكلفة إلى الخصم، وفرض قواعد اشتباك جديدة. لقد تحوّل السلوك الإيراني من مجرد ردود أفعال إلى عملية تفاعلية تراكميّة تهدف إلى إعادة تشكيل بيئة الصراع نفسها.

إن هذا النموذج من إدارة التصعيد يقدّم مثالًا واضحًا على تحوّل الحروب من مواجهات تقليدية إلى أنظمة تفاعلية معقّدة، حيث لا يكون الانتصار حاسمًا أو نهائيًا، بل نسبيًا ومتدرجًا، يُقاس بمدى القدرة على التحكم بإيقاع الصراع، وإعادة تعريف قواعده، ومنع الخصم من فرض شروطه النهائية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور