في خضمّ التصعيد الإقليمي والعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، يطرح البعض التساؤل القائل لماذا تستهدف طهران دول الخليج؟
طهران تطرح سرديّتها بوضوح: الخليج ليس خارج معادلة الحرب، بل هو جزء من بنيتها اللوجستية والسياسية. وعليه، فإن استهدافه ليس أمرا اعتباطيا، بل امتدادا مباشرا لمعادلة الردّ والردع.
ترى الجمهورية الإسلامية أنّ دول الخليج ساهمت بدرجات متفاوتة في تمكين البنية العسكرية الأميركية في المنطقة. فالقواعد الأميركية التي أُنشئت بأموال خليجية، والتي كلّفت عشرات مليارات الدولارات، تُقرأ في طهران كتهيئة مسبقة للعدوان ضدّها. هذه القواعد لم تبقَ بنية ساكنة، بل تحوّلت إلى منصّات انطلاق وارتكاز لأي عدوان عسكري محتمل.
وفي هذا السياق، تؤكد طهران إلى أنّ بعض الدول الخليجية سمحت باستخدام أراضيها وأجوائها للعمليات العسكرية، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك عبر مواقف سياسية تحرّض على استمرار العدوان العسكري والضغط لإسقاط النظام في الجمهورية الإسلامية. وتُضاف إلى ذلك منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية، وعلى رأسها ثاد (THAAD)، التي نُشرت في أكثر من دولة خليجية لاعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ما تعتبره طهران مشاركة في الحرب وعائقًا مباشرًا أمام استهداف القوّات الأميركية والكيان الإسرائيلي.
ولا يتوقف الاتهام عند هذا الحد، إذ تتحدث طهران عن دورٍ خليجي في توفير الدعم اللوجستي: تزويد الطائرات الأميركية بالوقود، تقديم معلومات استخبارية، والمساهمة في منظومات الإنذار المبكر. وضمن هذه المنظومة، تُصنَّف بعض المنشآت الحيوية في الخليج خصوصًا في قطاعي النفط والغاز كأهداف مشروعة، كون إدارتها تتم عبر شركات أميركية أو بريطانية منخرطة في العدوان.
من هنا، تتبلور معادلة إيرانية واضحة: إذا كان الوصول إلى العمق الأميركي متعذّرًا جغرافيًا، فإن إيلام واشنطن يمرّ عبر إيلام شركائها الإقليميين في العدوان ومصالحهم الحيوية. وفي هذا الإطار، يبرز شعار ضمني: “ النفط والطاقة والأمن إمّا للجميع أو لا لأحد”وهو تعبير عن محاولة نقل كلفة الصراع من طرفٍ واحد إلى فضاءٍ إقليمي أوسع.
ورغم أنّ الخطاب العلني يقرّ بأنّ الحرب ليست خيارًا مفضّلًا لا لإيران ولا لدول الخليج أو بعضها فإن طهران ترى أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل فرضتا الحرب على المنطقة وأشعلتها. وبناءً عليه، ترفض تحمّل الكلفة منفردة، وتعمل على توزيعها على الأطراف التي تعتبرها جزءًا من منظومة الصراع.
كما تُبدي القيادة الإيرانية تشكّكًا عميقًا في “رسائل التطمين” الخليجية. فوفق هذا المنظور، لم تعد التصريحات كافية، بل المطلوب إجراءات عملية تمنع استخدام الأراضي والأجواء الخليجية في العدوان العسكري ضد إيران. وقد تكرّر هذا الموقف في أكثر من مناسبة، حيث أكّد مسؤولون إيرانيون للقادة الخليجيين السياسيين والامنيين أنّ التطمينات الشفوية “لا تُغني ولا تُسمن من جوع” إذا لم تُترجم إلى سياسات واضحة على الأرض.
وفي هذا السياق، تتقاطع مواقف عدد من المسؤولين الإيرانيين مع هذا الخطاب؛ إذ شدّد أكثر من مرة مسؤولون في طهران على أنّ “أمن المنطقة يجب أن يُصان من داخلها لا عبر القواعد الأجنبية”، وأنّ “أي أرض تُستخدم للاعتداء على إيران ستُعدّ جزءًا من العدوان”. كما تكرّر التأكيد على أنّ مرحلة الدبلوماسية والمرونة و“الصبر الاستراتيجي” التي امتدت لسنوات قد شارفت على نهايتها، وأنّ قواعد الاشتباك باتت أكثر مباشرة وحسمًا. وان اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم هي لغة القوة والصواريخ.
إنّ المقاربة الإيرانية تقوم على إعادة تعريف الجغرافيا السياسية للصراع: الخليج، في نظرها، ليس هامشًا محايدًا، بل مساحة تتداخل فيها المصالح والتحالفات والقدرات. ومن هذا المنطلق، تُبنى استراتيجية الردّ على قاعدة توسيع نطاق الضغط، وإعادة توزيع كلفة المواجهة، بما يفرض توازنًا جديدًا في معادلات القوة والردع في المنطقة.
-إعلامي وباحث سياسي.
- استاذ الإعلام في الجامعة اللبنانية.
-دكتوراه في الفلسفة وعلم الكلام.
- مدير ورئيس تحرير موقع الخنادق الالكتروني.