الجمعة 20 آذار , 2026 08:13

القواعد الأميركية في الشرق الأوسط نقطة ضعف لا وسيلة ردع

حاملة طائرات أميركية

في خضم تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تعود مسألة الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة طرحها مقال في موقع ناشيونال انترست ترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ فهل تشكّل هذه القواعد عنصر ردع فعلي، أم أنها باتت عبئًا استراتيجيًا يعرّض واشنطن لمخاطر أكبر؟ فمع تزايد الهجمات على القواعد الأميركية واتساع دائرة الاستهداف، يبدو أن هذه المنشآت لم تعد تحصّن النفوذ الأميركي بقدر ما تكشف هشاشته. من هنا، يطرح هذا المقال قراءة نقدية لدور هذه القواعد، ويعيد مساءلة جدوى استمرارها في منطقة تتغير معادلاتها بسرعة.

النص المترجم

أصبحت مبررات الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط أشبه بحجج تدور في حلقة مفرغة.
منذ أن أطلقت الولايات المتحدة و"إسرائيل" الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط، أسفرت الهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية عن مقتل عدد من الجنود الأميركيين، وإصابة آخرين، وإلحاق أضرار بمليارات الدولارات من المعدات العسكرية.
تمثل هذه القواعد تجسيدًا ماديًا لتورّط الولايات المتحدة غير الضروري في المنطقة. فحتى مع خوض الولايات المتحدة حربًا جديدة في الشرق الأوسط، "لا توجد تهديدات مباشرة تُذكر للأمن القومي الأميركي" قادمة من المنطقة. والسبب الوحيد الذي يجعل إيران أو حلفاءها يشكّلون تهديدًا للولايات المتحدة هو وجود هذه القواعد وعشرات آلاف الجنود المنتشرين فيها.
ينبغي على الولايات المتحدة إعادة النظر في تمددها المفرط، وإغلاق معظم هذه القواعد ضمن عملية انسحاب أوسع من الشرق الأوسط. ومع أن مثل هذه الخطوة تبدو غير واقعية سياسيًا في ظل الحرب، فإنه ينبغي استغلال نهاية هذا الصراع مستقبلًا كفرصة لتقليص الوجود الأميركي بشكل كبير.
لا شك أن الولايات المتحدة تدرك مدى هشاشة هذه القواعد. ففي فترة تقارب 13 شهرًا بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، تعرضت القواعد والقوات الأميركية في المنطقة لـ170 هجومًا من جماعات متحالفة مع إيران. وقد أسفر أحد هذه الهجمات عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين في موقع ضعيف التحصين شمال شرق الأردن في يناير/كانون الثاني 2024.
وقبيل اندلاع الحرب في 28 فبراير، وأثناء الحشد العسكري الكبير، أوصى البنتاغون بإجلاء بعض العاملين من المقر الأمامي للقيادة المركزية الأميركية في قاعدة العديد الجوية في قطر. كما خفّضت قيادة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين عدد موظفيها إلى الحد الأدنى الضروري. وبالمثل، قبل ضرباتها للمواقع النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025، نقلت الولايات المتحدة معدات وأفرادًا من قواعدها في الشرق الأوسط.
في الأسبوع الأول من الحرب وحده، تسببت الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية بأضرار واسعة في القواعد الأميركية، بما في ذلك استهداف مقر الأسطول الخامس في البحرين. كما دمّرت إيران أو أضعفت بشكل كبير أنظمة رادار أميركية باهظة الثمن في الأردن وقطر والإمارات، وهي أنظمة تُستخدم للدفاع الصاروخي. وبحلول 10 مارس/آذار، تضرر ما لا يقل عن 17 موقعًا أميركيًا. كما أن وجود هذه القواعد يشجّع إيران على استهداف الدول المضيفة، ما يؤدي إلى توسيع رقعة الحرب بشكل يصعب السيطرة عليه.
ومن بين المبررات التي قدمتها الإدارة الأميركية لشن الحرب، بحسب وزير الخارجية ماركو روبيو، أن واشنطن توقعت أن تبادر "إسرائيل" إلى ضرب إيران أولًا، ثم ترد طهران باستهداف القوات الأميركية في المنطقة. ووفق هذا المنطق، لو لم يكن للولايات المتحدة وجود عسكري واسع في المنطقة، لما كان هناك مبرر للانخراط في حرب "إسرائيل"، لأن إيران لن تجد أهدافًا أميركية كثيرة ضمن مدى ضرباتها.
إن تقليص الوجود الأميركي في المنطقة، أو إنهاءه إلى حد كبير، يحمل فوائد استراتيجية متعددة للولايات المتحدة، أبرزها تقليل تعرض قواتها للهجمات والحد من احتمالات التصعيد والانغماس الأعمق في صراعات المنطقة. كما أن سحب القوات سيتيح لواشنطن تقليص أصولها العسكرية الأخرى، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي ومجموعات حاملات الطائرات.
ومن شأن ذلك أيضًا أن يدفع دول الشرق الأوسط إلى تحمّل مسؤولياتها الدفاعية بشكل أكبر، والتخفيف من اعتمادها على الولايات المتحدة. فكما تطالب إدارة ترامب أوروبا بتحمّل عبء أكبر في الدفاع عن نفسها، ينبغي أن تطالب شركاءها في الشرق الأوسط بالأمر ذاته. كما أن الوجود الأميركي خلق حالة "مخاطرة أخلاقية" في العلاقة مع "إسرائيل"، حيث تتخذ الأخيرة خطوات تصعيدية وهي واثقة من الدعم الأميركي. ويُعد تبرير روبيو للحرب مثالًا واضحًا على هذه المشكلة.
إن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة محدودة، ولا تبرر هذا الوجود العسكري الكبير. فدول الشرق الأوسط معنية أكثر من غيرها بالحفاظ على أمن الممرات البحرية وضمان تدفق النفط، ولديها دافع قوي لذلك. وينطبق الأمر نفسه على التهديد الذي تمثله جماعات مثل "داعش"، والتي تشكل خطرًا أكبر على دول المنطقة مقارنة بالولايات المتحدة. وبشكل عام، فإن معظم تحديات الشرق الأوسط ذات طبيعة سياسية، ولا يمكن حلها عبر وجود عسكري أميركي مفرط.
وقبل أيام قليلة من اندلاع الحرب مع إيران، أعلنت الولايات المتحدة سحب قواتها بالكامل من سوريا، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن من المؤسف أن تركيز وموارد واشنطن ستتجه الآن نحو خوض حرب جديدة متهورة في الشرق الأوسط، بدلًا من إعادة ضبط انتشارها العسكري المفرط في المنطقة.


المصدر: ناشيونال انترست

الكاتب: آدم غالاغر




روزنامة المحور