الثلاثاء 17 آذار , 2026 04:21

المقاومة تُفشل اندفاعة خمس فرق إسرائيلية وتكرّس معادلة الاستنزاف

انطلاق صاروخ من جنوب لبنان

تشهد جبهة جنوب لبنان تحولاً نوعياً في طبيعة المواجهة، حيث يتداخل الأداء التكتيكي عالي المستوى للمقاومة الإسلامية مع تعثر واضح في المناورة البرية الإسرائيلية، ما يفضي إلى إعادة صياغة معادلات الاشتباك على المستويين العملياتي والاستراتيجي. خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، برزت صورة ميدانية مركبة تعكس انتقال المقاومة من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة المنظمة، مقابل ارتباك متزايد لدى العدو رغم حشده العسكري الكبير.

في الميدان، نفذت المقاومة زخماً عملياتياً لافتاً تمثل في سلسلة عمليات نوعية توزعت بين التصدي لمحاولات التوغل، واستهداف الدروع، وإحباط عمليات الإخلاء تحت النار. هذا الأداء لم يكن مجرد رد تكتيكي، بل جاء ضمن إدارة متكاملة لـ"حقل الرماية"، حيث أظهرت غرفة العمليات قدرة واضحة على التنسيق بين وحدات الاستطلاع والقوة الصاروخية والمسيّرات، بما يعكس تماسك منظومة القيادة والسيطرة رغم كثافة القصف الجوي المعادي.

في المقابل، دفع العدو بخمس فرق عسكرية إلى مسرح العمليات، مع تركيز ألوية النخبة في محاور الخيام والطيبة وكفركلا والعديسة، في محاولة لتحقيق اختراق ميداني سريع. إلا أن هذه الكثافة لم تُترجم إلى إنجاز حاسم، بل اصطدمت ببنية دفاعية مرنة اعتمدت على الكمائن المركبة والتكتيكات الاستنزافية. ويبرز في هذا السياق ما يمكن تسميته بـ"مقتلة الدبابات" في مشروع الطيبة، حيث نجحت المقاومة في تنفيذ كمين متسلسل أدى إلى تدمير عدة دبابات ميركافا، قبل أن تتطور العملية إلى استهداف مناطق الإخلاء، ما ضاعف الخسائر وأربك القيادة الميدانية للعدو.

هذا الفشل في تحقيق تقدم بري ملموس، ترافق مع اعتماد متزايد على القوة النارية الجوية ضد الأهداف المدنية، سواء في الضاحية الجنوبية لبيروت أو في قرى الجنوب والبقاع. وهو ما يعكس انتقال العدو إلى ما يُعرف بـ"عقيدة الضاحية"، كبديل عن العجز في الحسم الميداني، ومحاولة لتعويض الإخفاق عبر الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة، وخلق صورة نصر إعلامي عبر الدمار.

في موازاة ذلك، واصلت المقاومة تفعيل مناورة النار على مستويات متعددة، من الحافة الأمامية إلى العمق الاستراتيجي. فقد استهدفت مواقع عسكرية حساسة مثل قاعدة رامات دافيد وثكنات في الجولان، إلى جانب ضرب مراكز تجمع خلفية في مستوطنات الشمال ككريات شمونة ونهاريا. هذا التدرج في المديات، واستخدام مزيج من الصواريخ النوعية والمسيّرات الانقضاضية، يعكس قدرة على إدارة التصعيد بشكل مدروس يحقق تأثيراً عسكرياً ونفسياً متراكماً.

ومن أبرز مؤشرات التفوق التكتيكي، نجاح الدفاع الجوي للمقاومة في إسقاط طائرة مسيّرة متطورة من نوع "هيرمز 450"، ما شكّل ضربة لقدرات الاستطلاع الإسرائيلية، ودفع العدو إلى محاولة تدمير حطامها بسرعة، خشية تسرب تقنياتها. هذا الحدث يؤكد أن المقاومة لا تكتفي بالدفاع، بل تمارس "هجوماً مضاداً" على مستوى السيطرة الجوية التكتيكية.

على صعيد الحرب النفسية، بدت المقاومة أكثر قدرة على إدارة الرسائل، سواء عبر الالتزام باستهداف الأهداف العسكرية حصراً، أو من خلال إصدار تحذيرات مسبقة لسكان بعض المستوطنات، ما عزز مصداقيتها وكرّس تمايزاً أخلاقياً عن سلوك العدو. في المقابل، يسعى الاحتلال إلى تعويض خسائره عبر تصعيد القصف ضد المدنيين، ومحاولة فرض رواية إعلامية تخفي إخفاقاته الميدانية.

خلاصة المشهد تشير إلى فشل إسرائيلي في تحويل التفوق الناري والكثافة البشرية إلى إنجاز بري مستدام، مقابل نجاح المقاومة في فرض نمط "حرب استنزاف نشطة" تستنزف قدرات العدو وتمنعه من تثبيت مكاسب ميدانية. ومع استمرار هذا التوازن، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً في استهداف العمق المدني من قبل العدو، مقابل توسيع المقاومة لدائرة ضرباتها نحو الأهداف المؤثرة في العمليات البرية، بما في ذلك مراكز القيادة والقواعد الجوية.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن المقاومة نجحت في تثبيت معادلة ميدانية جديدة: منع الحسم البري، وإدارة الاستنزاف بكفاءة، والحفاظ على زمام المبادرة التكتيكية، في مواجهة عدو يزداد غرقاً في تعقيدات الميدان.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور