في ظل التصعيد العسكري المتسارع على الجبهة اللبنانية، تبدو معادلات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي في طور التحول نحو نمط أكثر تعقيداً، حيث تتداخل العمليات التكتيكية الميدانية مع الضربات الاستراتيجية بعيدة المدى. فالمشهد العام للعمليات خلال الساعات الماضية يكشف عن مرحلة جديدة من إدارة المواجهة، تقوم على مبدأ الجمع بين الدفاع الصلب على خطوط التماس، والقدرة على نقل المعركة إلى عمق الكيان الإسرائيلي، بما يرسخ معادلة الردع المتبادل ويعيد تشكيل توازن القوى في الميدان.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن المقاومة الإسلامية استطاعت الحفاظ على زخم نيراني استثنائي، يعكس ما يمكن وصفه بـ"الهندسة القتالية المتوازية". ففي الوقت الذي تمكنت فيه من صد محاولات التقدم البري الإسرائيلي في القرى الحدودية، نجحت أيضاً في تنفيذ ضربات نوعية في عمق الأراضي المحتلة وصلت إلى مسافة تقارب مئة وأربعين كيلومتراً جنوب تل أبيب، مستهدفة قواعد جوية ومنشآت عسكرية ذات أهمية عملياتية. هذا التطور يعكس قدرة واضحة على الربط بين الساحات التكتيكية في الجبهة الأمامية والساحات الاستراتيجية في عمق الكيان، بما يثبت امتلاك المقاومة مرونة عملياتية عالية في إدارة المعركة.
في المقابل، يظهر أداء جيش الاحتلال حالة من التخبط العملياتي، حيث فشلت محاولاته المتكررة لتحقيق اختراق بري في محاور رئيسية مثل الخيام والطيبة والعديسة. وقد دفع هذا العجز القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى اعتماد سياسة "الأرض المحروقة"، عبر تكثيف الغارات الجوية والقصف المدفعي العشوائي على القرى الجنوبية والبقاعية، إضافة إلى استخدام قذائف الفوسفور الحارقة في بعض المناطق الحدودية. غير أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها العسكرية، بل كشفت محدودية فعالية القوة الجوية في تحييد قدرات المقاومة أو تعطيل منصات إطلاق الصواريخ.
على المستوى التكتيكي، اعتمدت المقاومة نمطاً متقدماً من القتال البري يقوم على ما يمكن تسميته بـ"الهندسة العكسية للمناورة". فقد استخدمت الصواريخ الموجهة بدقة لاستهداف الدبابات والآليات الهندسية الإسرائيلية، ما أدى إلى تدمير عدد من دبابات "ميركافا" وإصابة جرافات عسكرية كانت تحاول فتح مسارات آمنة لتقدم القوات البرية. كما نفذت هجمات بالطائرات المسيّرة الانقضاضية على تجمعات الآليات الإسرائيلية، ما وفر إسناداً جوياً تكتيكياً للقوات المدافعة على الأرض وأفشل محاولات التقدم المعادي.
وفي إطار مناورة النار الاستراتيجية، توسع بنك الأهداف ليشمل مواقع عسكرية وصناعية حساسة داخل الأراضي المحتلة. فقد جرى استهداف قواعد للمراقبة الجوية وقواعد جوية تستخدم في العمليات الخاصة، إضافة إلى مجمعات للصناعات العسكرية. كما طالت الضربات عدداً من المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة، في ترجمة عملية لسياسة "إنذارات الإخلاء بالنار"، التي تسعى المقاومة من خلالها إلى فرض معادلة جديدة تربط بين استهداف القرى اللبنانية واستهداف العمق الإسرائيلي.
أما على صعيد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فقد انعكست هذه التطورات في تصاعد حالة القلق وعدم الثقة بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية، خصوصاً مع وصول صفارات الإنذار إلى مناطق قريبة من تل أبيب والكريوت، وفشل الدفاعات الجوية في اعتراض بعض المسيّرات. ويؤشر ذلك إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الشمالية، بل باتت تمتد تدريجياً إلى العمق الاستراتيجي للكيان، ما يزيد الضغط السياسي والعسكري على القيادة الإسرائيلية.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن المواجهة الحالية تتجه نحو نمط حرب استنزاف طويلة الأمد، تتداخل فيها العمليات البرية المحدودة مع الضربات الصاروخية والمسيرات بعيدة المدى. فالمقاومة استطاعت حتى الآن تحويل محاولات التوغل البري إلى ما يشبه "مقبرة للدروع"، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها النيرانية لضرب أهداف استراتيجية بعيدة. في المقابل، يجد جيش الاحتلال نفسه أمام معضلة مركبة: فالتقدم البري مكلف وخطير، بينما القصف الجوي المكثف لم ينجح في وقف إطلاق الصواريخ أو تحييد البنية العسكرية للمقاومة.
بناءً على ذلك، يبدو أن مسار المواجهة في المرحلة المقبلة سيبقى محكوماً بمعادلة توازن الردع المتحرك، حيث يسعى كل طرف إلى توسيع هامش الضغط على الآخر دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن استمرار التصعيد وتوسع بنك الأهداف قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر حساسية، يكون فيها العمق الاستراتيجي للطرفين جزءاً أساسياً من ميدان الصراع.
الكاتب: غرفة التحرير