السبت 14 آذار , 2026 04:03

حكومة "فيشي" اللبنانية!

نواف سلام

لم يأتِ اختيارُ مسمى "حكومة سلام" بمحض الصدفة، إنما هو إعلانٌ صريح لمهمةٍ وظيفية غايتها إبرام "سلام مع العدو" فوق أنقاض السيادة الوطنية. نحن أمام استنساخٍ مشوهٍ لنموذج "حكومة فيشي" التي قادها المارشال "بيتان" عام 1940؛ حيث يُغلف الانبطاح برداء "الواقعية"، ويُسوق الاستسلام بصفته درعاً للمصالح العليا. هذه "الهندسة الدبلوماسية" تسعى من خلالها حكومةُ الاستسلام إلى تسييل إنجازات أربعين عاماً من المقاومة والصمود، وتحويل مسيرة التحرير وبناء القوة الإقليمية التي تضاهي أعتى الجيوش إلى مجرد "جولة قتالية" عابرة تُقايض أثمانها في سوق النخاسة الدولية.

يستحضر هذا المسارُ نظرية "قوة لبنان في ضعفه" ويرفع شعار "العين لا تقاوم المخرز" كذريعة لتجريد الوطن من أنيابه التي غرسها في جسد الاحتلال على مدى عقود. هذه هي "المتاهة اللبنانية" التي أرّخ لها "رؤوفين أرليخ" في كتابه؛ استراتيجية صهيونية ثابتة لنقل لبنان من مرتبة "القلعة الصامدة" في غرب آسيا إلى مجرد "بيدق خاسر" على رقعة المشاريع الإبراهيمية. إننا أمام انقلابٍ مكتمل الأركان على البيان الوزاري وعلى جوهر الوفاق الوطني، يهدف لتحويل الدولة من حامية للحدود إلى "حارس أمن تقني" للكيان الصهيوني، ممهداً الطريق لدمج لبنان في منظومة "السلام الاقتصادي" منزوعة الكرامة، وضرب تضحيات الدم ومعادلات الردع عرض الحائط.

تتجاوز خيوطُ "المتاهة" ضفاف الليطاني، لتكشف عن أطماعٍ صهيونية ثابتة في الجغرافيا والماء، يعززها اليوم وهمُ "الحصن الفرنسي" الذي يروج له البعض كـ "أم حنون"، بينما الحقيقة أن الدور الفرنسي لم يتخلَّ يوماً عن نزعته الاستعمارية حتى بعد كذبة الاستقلال المزعوم. الخريطةُ التي رفعها بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة تمثل ذروة هذا المشروع؛ إذ شطبت الحدود السيادية وألحقت لبنان بـ "منطقة النعمة" الصهيونية التي تشترط نزع الأنياب الوطنية. هذا الطموح الذي بدأ عام 1918 كأطماع مائية، تحول إلى خطابٍ رسمي لوزراء العدو أمثال "سموتريتش"، الذين ينادون بـ "إسرائيل الكبرى" ويضعون الجنوب اللبناني كجزءٍ أصيل من خريطة الاستيطان الموعودة. يبرز هنا الدور الوظيفي لحكومة "سلام" كجسر عبور لهذا المشروع، عبر الإصرار على توسيع المنطقة المنزوعة السلاح لتصل إلى مداخل صيدا، محققةً أحلام الحركة الصهيونية في إنشاء عزلٍ استراتيجي بلا أثمانٍ عسكرية وبضمانات لبنانية رسمية.

يطلُّ طيف المارشال "بيتان" اليوم من خلف الستائر الدبلوماسية في بيروت، مدعوماً بهذا الدور الذي يمارس الوصاية لتمرير أجندة العدو، حيث تتماهى حكومةُ "فيشي اللبنانية" مع رغبات المشغل الخارجي، مغيبةً من قاموسها أي درس من دروس السيادة المقاومة، كأن أصل فكرة السيادة غير موجود في معجم الاستسلام لديهم.

إن التاريخ الذي يُقرأ اليوم بعين "الإذعان" هو نفسه الذي شهد سقوط "بيتان" المذل؛ فالمارشال الذي ظن أنه يحمي فرنسا بالانبطاح للنازية، انتهى به الأمر محكوماً بالإعدام وبتهمة الخيانة العظمى، مجرداً من أوسمته ومن كرامته العسكرية. إن "فيشي هذا الزمان" لن ينجو من المصير ذاته، فالتاريخ لن يرحم من استبدل أنياب المقاومة التي صانت الأرض من الليطاني إلى الأولي بـ "قفازات قانونية" تخدم أمن الاحتلال. الرهانُ على انكسار العين أمام المخرز هو رهان الواهمين، والوطن اليوم أمام مفارقة حتمية: إما التمسك بكرامة القلعة، وإما مزبلة التاريخ التي اتسعت لبيتان وستتسع لكل من حول الوطن إلى بيدقٍ على رقعة شطرنج الكبار.


الكاتب: علي نقر




روزنامة المحور