الخميس 19 شباط , 2026 04:07

في مواجهة إيران… السماء الأميركية على ارتفاع منخفض

الولايات المتحدة تواجه خطر الطائرات الصغيرة غير المأهولة

لم تعد التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة تأتي فقط من وراء البحار. فمع الانتشار السريع للطائرات المسيّرة الصغيرة، دخلت واشنطن مرحلة جديدة يصبح فيها المجال الجوي الداخلي نفسه ساحة اختبار مفتوحة لحدود قوة الردع الأميركية.
الحادثة التي شهدتها مدينة إل باسو في تكساس الأسبوع الماضي، حين أُغلقت الأجواء لساعات وسط تضارب الروايات بين “اختراق مسيّرات الكارتلات المكسيكية الأجواء” وبين "اختبار ليزري عسكري للجيش الأميركي”، كشفت عن ثغرة عميقة وغياب مركز قيادة واضح للدفاع عن السماء الأميركية المنخفضة الارتفاع، التي يمكن خرقها بطائرات صغيرة تعمل خارج منظومات الدفاع التقليدية. 
تفضح هذه الحادثة كذلك عن مشكلة تنسيق واضحة بين الجهات الأميركية الرسمية والتي يمكن استغلالها في أي تصعيد مستقبلي بحيث تصبح الطائرات غير المأهولة قادرة على دخول الأراضي الأمريكية فمثلاّ:
إدارة الطيران الفدرالية مسؤولة عن سلامة المجال الجوي، لكنها ليست جهازًا أمنيًا.
وزارة الأمن الداخلي مكلفة بحماية البنية التحتية، لكنها تعتمد على معلومات ووسائل من جهات أخرى.
وزارة العدل تتولى الملاحقة القانونية بعد وقوع الحادث، لا منعه.
البنتاغون يركز على المنشآت العسكرية، لا على المدن والمطارات المدنية.
أما الاستخبارات فتملك المؤشرات، لكنها لا تنفذ العمليات.
بهذا الشكل، تتحول السماء الأميركية إلى مساحة لا يحميها أحد بالكامل.
الإرباك 
هنا تحديدًا تبرز قيمة المسيّرات كأداة استراتيجية منخفضة الكلفة. فهي لا تحتاج إلى بنية عسكرية معقدة، ويمكن الحصول عليها بسهولة، وتمنح مستخدمها القدرة على التأثير. وإيران، التي طورت خلال العقدين الماضيين عقيدة قائمة على الحرب غير المتماثلة، تدرك جيدًا قيمة هذه الأدوات. فهي لا تحتاج إلى نقل الحرب إلى الأراضي الأميركية بشكل تقليدي؛ يكفي خلق سلسلة ردود تترك أثراً بالغاً ومزعجاّ.
فالمسيّرة التي تحلق فوق منشأة طاقة ما، أو بالقرب من قاعدة عسكرية، أو في محيط مطار دولي، تحقق هدفين في آن واحد جمع المعلومات واختبار سرعة الاستجابة. وإذا تكررت هذه الحوادث، يتحول الأثر إلى ضغط نفسي وسياسي يفوق حجم الخطر المادي نفسه.
هشاشة البنية التحتية
لا يقتصر الأمر على المطارات، بل يمتد إلى شبكة واسعة من المنشآت الحيوية التي يصعب تأمينها ضد تهديد منخفض الارتفاع وصغير الحجم. فمحطات الكهرباء والمصافي والموانئ وحتى التجمعات السكانية الكبرى تعتمد على أنظمة حماية مصممة لتهديدات تقليدية، لا لأجسام طائرة صغيرة يصعب رصدها.
الأكثر إشكالية أن السلطات المحلية — التي غالبًا ما تكون أول من يتعامل مع الحوادث — لا تمتلك صلاحيات أو تقنيات كافية لإسقاط المسيّرات أو تعطيلها، خشية التداخل مع الطيران المدني أو الاتصالات. وهكذا، قد تُرصد المسيّرة دون القدرة على التعامل معها فوراً. نظراً للبيئة البيروقراطية متعددة الرؤوس. وهذا ما يحوّل التكنولوجيا البسيطة إلى أداة فعالة لإرباك قوة عظمى.
إذا استمرّ التصعيد مع إيران ووصل إلى مستوى المواجهة العسكرية، يمكن لإيران وحلفائها شن حملة إرباك داخل الولايات المتحدة. تشمل تعطيل المطارات لساعات، إغلاق الموانئ، أو نشر مسيّرات فوق مواقع حساسة وهذا ما سيفرض تكلفة اقتصادية ونفسية متراكمة. وتكرار هذه الحوادث في نقاط متعددة قد يخلق شعورًا بفقدان السيطرة، حتى لو لم تقع خسائر بشرية. وهنا يتحقق الهدف الاستراتيجي.
في حين امتلاك واشنطن لتفوق عسكري كبير، فإن قدرتها على التعامل مع التهديدات الموزعة داخل أراضيها ستكون صعبة عليها جداً لأنها ستكون أمام واقع جديد غير متأقلمة معه.
وإذا كانت البحار كشفت مؤخرًا حدود انتشار الأسطول الاميركي الذي لا يستطيع الاستمرار إذا قطعت عنه الإمدادات، فإن السماء المنخفضة تكشف حدود السيطرة على الأجواء في حال اندلاع حرب واسعة مع ايران.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور