مع تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة مطلع عام 2026 حول احتمال اللجوء إلى عمل عسكري ضد إيران، بدا أن المزاج الشعبي يسير في اتجاه مختلف عن نبرة التصعيد السياسي والإعلامي. فبينما ارتفعت وتيرة التحذيرات والتهديدات، تشكّل في المقابل تيار واسع من الحذر المجتمعي، يعكس إرهاقًا تاريخيًا من الحروب الطويلة وتجارب التدخل الخارجي التي لم تُفضِ دائمًا إلى نتائج حاسمة أو مستقرة. هذا التباين بين الخطاب الرسمي ومزاج الشارع يكشف عن فجوة في تصور كلفة الحرب وجدواها، ويعيد طرح سؤال قديم متجدد حول حدود القوة الأمريكية وإمكاناتها الواقعية.
المجتمع الأمريكي لا يتعامل مع فكرة الحرب بوصفها خيارًا تقنيًا مجردًا، بل يربطها مباشرة بكلفتها الاقتصادية والاجتماعية. فبعد عقدين من الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، وما رافقه من إنفاق هائل وخسائر بشرية وتأثيرات نفسية على الجنود العائدين، أصبح الرأي العام أكثر حساسية تجاه أي قرار قد يفتح باب مواجهة جديدة. وتبرز في هذا السياق قناعة متنامية بأن أي صراع مع إيران لن يكون محدودًا أو سريع الحسم، بل قد يتخذ طابعًا إقليميًا واسعًا، نظرًا لتشابك الملفات في الخليج والعراق ولبنان وسوريا، فضلًا عن تأثيره المحتمل على أسواق الطاقة العالمية.
اللافت أن الاعتراف بوجود مصالح استراتيجية لا يقود تلقائيًا إلى تأييد استخدام القوة. فجزء معتبر من الأمريكيين يقرّ بأن لإيران موقعًا مؤثرًا في معادلات الأمن الإقليمي، وأن لواشنطن اعتبارات تتصل بحماية حلفائها أو ردع خصومها، غير أن هذا الإدراك يترافق مع شكوك قوية في قدرة العمل العسكري على تحقيق أهداف واضحة وقابلة للقياس. ويبدو أن الوعي الشعبي بات يميّز بين مفهوم "الردع" ومفهوم "الحرب الشاملة"، ويرى أن الخيارات الدبلوماسية أو العقوبات أو الضغوط متعددة الأطراف قد تكون أقل كلفة وأقل مخاطرة.
الثقة في صانعي القرار تمثل عنصرًا محوريًا في تشكيل هذا المزاج. فالتجارب السابقة خلّفت أثرًا عميقًا في صورة المؤسسة السياسية، وولّدت نزعة رقابية تطالب بضمانات دستورية واضحة قبل الإقدام على خطوات مصيرية. لذلك يتنامى التأكيد على دور الكونغرس في إقرار أي تحرك عسكري، بوصفه تعبيرًا عن الإرادة الشعبية ووسيلة لتوزيع المسؤولية السياسية. هذا الميل يعكس رغبة في تفادي القرارات الأحادية التي قد تجر البلاد إلى مواجهة مفتوحة دون توافق وطني عريض.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل الموقف الشعبي عن السياق الاقتصادي الداخلي. فالتحديات المرتبطة بالتضخم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والدين العام، تدفع شريحة واسعة إلى التساؤل عن جدوى توجيه الموارد إلى حرب خارجية جديدة. ويعزز هذا التوجه اعتقاد بأن الأولويات ينبغي أن تتركز على معالجة الملفات الداخلية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، بدل التورط في نزاع قد يستنزف الميزانية الفيدرالية ويؤثر في مستوى المعيشة.
ورغم هذا الميل العام إلى الحذر، تبقى هناك فئة غير محسومة الموقف، تتأثر بدرجة كبيرة بطبيعة الحدث الآتي. فإذا وقع هجوم مباشر يستهدف قوات أو مصالح أمريكية، قد يتغير المزاج بسرعة في اتجاه دعم الرد العسكري. أما إذا سادت إشارات إلى إمكانية تسوية دبلوماسية أو تخفيف التوتر، فإن التيار الرافض للحرب قد يزداد قوة. هذه الديناميكية تعني أن الرأي العام ليس جامدًا، بل يتحرك وفق معادلة تجمع بين الشعور بالتهديد وحسابات الكلفة والمصلحة.
الخطاب الإعلامي يلعب دورًا مهمًا في صياغة هذا الإدراك. فكلما طُرحت سيناريوهات تتحدث عن صراع طويل أو مواجهات غير متكافئة أو احتمالات رد إيراني واسع، تعززت المخاوف من الانزلاق إلى حرب يصعب احتواؤها. وفي المقابل، حين يُقدَّم التدخل باعتباره محدودًا أو جراحيًا، تظهر أصوات تدعو إلى الحسم السريع. إلا أن التجربة التاريخية جعلت قطاعًا واسعًا من الأمريكيين يشكك في الوعود المتعلقة بالحروب "القصيرة والنظيفة"، ويعتبرها غالبًا مدخلًا إلى التورط التدريجي.
كما أن البعد الدولي يحضر بقوة في الحسابات الشعبية. فثمة إدراك بأن أي مواجهة مع إيران لن تكون شأناً ثنائياً فحسب، بل قد تستدرج قوى إقليمية ودولية، وتؤثر في علاقات واشنطن مع حلفائها الأوروبيين والآسيويين. ويثير ذلك تساؤلات حول العزلة المحتملة أو التباينات داخل التحالفات التقليدية، فضلًا عن انعكاسات المواجهة على التنافس مع قوى كبرى أخرى.
في المحصلة، يعكس المزاج الأمريكي في هذه المرحلة توجّهًا براغماتيًا يميل إلى تجنب الحرب ما لم تُفرض عليه بوقائع قاطعة لا تحتمل التأجيل. فالرغبة في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والقلق من الكلفة الاقتصادية والبشرية، وضعف الثقة بإمكان تحقيق نصر حاسم وسريع، كلها عوامل تدفع نحو تفضيل البدائل غير العسكرية. ومع بقاء نسبة من الجمهور في موقع الترقب، يظل الاتجاه العام مشروطًا بتطورات الميدان والسياسة، لكنه حتى الآن يميل إلى اعتبار الحرب خيارًا أخيرًا، لا أداة أولى لإدارة الأزمات.
الكاتب: غرفة التحرير