الخميس 29 كانون الثاني , 2026 12:51

كيف يُحوّل نتنياهو الأزمات البنيوية في "إسرائيل" إلى أدوات بقاء سياسي؟

بن غفير ونتنياهو وغولدنوف في الكنيست

لا يمكن فهم ظاهرة بنيامين نتنياهو بوصفها مسألة تتعلق بمهارات شخصية أو دهاء سياسي فردي فحسب، بل يجب النظر إليها بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن أزمة بنيوية عميقة في النظام السياسي "الإسرائيلي" نفسه. فنتنياهو ليس استثناءً عن القاعدة، بل هو النتيجة الأكثر تطرفًا لنظام صُمّم منذ نشأته لإدارة الصراع لا حلّه، ولتأجيل الأزمات لا معالجتها، ولتحويل التناقضات الداخلية إلى أدوات حكم.

من هذا المنظور، لا يعود نتنياهو ظاهرة شخصية استثنائية، بل تعبيرًا مكثفًا عن نظام سياسي يسمح بتحويل السلطة التنفيذية إلى آلية حماية ذاتية.

الدولة الأسيرة ومنطق الإفلات من المحاسبة

يقف نتنياهو اليوم على رأس حكومة لا تحكم بقدر ما تُدار كشبكة حماية شخصية. فالمحاكمات الجارية ضده بتهم الفساد ليست مسألة قانونية منعزلة، بل تشكّل الخلفية البنيوية لكل قراراته السياسية. ومن هنا، فإن إصراره على البقاء في الحكم لا يمكن فصله عن طبيعة النظام الذي يمنح رئيس الوزراء حصانة فعلية طالما بقي في موقعه.

في هذا السياق، لا تعود السياسات العامة مرتبطة بمصالح المجتمع أو الأمن القومي، بل تتحوّل إلى أدوات تفاوض مع مراكز القوة: القضاء، الجيش، الأحزاب الدينية، والولايات المتحدة. الدولة (أي الكيان المؤقت)، بهذا المعنى، تصبح أسيرة لشخص، بينما يتحوّل الشخص إلى وظيفة داخل الدولة.

إدارة الانقسام بدل حله

تعاني "إسرائيل" منذ سنوات من انقسامات بنيوية حادة:

علمانيون مقابل حريديم، مركز مقابل أطراف، يهود شرقيون مقابل نخبة أشكنازية، وصهيونية ليبرالية مقابل صهيونية دينية قومية. ما يميز نتنياهو ليس قدرته على تجاوز هذه الانقسامات، بل مهارته في إبقائها حيّة وقابلة للاستخدام السياسي.

قانون التجنيد الإجباري مثال فاضح على ذلك. فبدل التعامل مع المسألة بوصفها أزمة مساواة مدنية، حوّلها نتنياهو إلى ساحة ابتزاز متبادل:

– يُغدق التمويل على الأحزاب الحريدية مقابل تمرير الميزانية.

– يُطمئن أحزاب الصهيونية الدينية بخطاب أيديولوجي صدامي مع القضاء والدولة العميقة.

– ويُبقي الصراع مفتوحًا بما يكفي لمنع تشكّل جبهة موحّدة ضده.

هكذا تُدار الدولة لا عبر عقد اجتماعي، بل عبر مقايضات قصيرة الأمد تُفكّك المجتمع وتُحصّن السلطة.

المعارضة كجزء من المشكلة

في الأنظمة المأزومة، لا تسقط الحكومات فقط بفعل فشلها، بل أيضًا بفعل عجز معارضيها. والمعارضة "الإسرائيلية"، في هذا السياق، تبدو عاجزة بنيويًا عن إنتاج بديل حقيقي، لأنها تشترك مع نتنياهو في معظم المسلّمات الأساسية: الأمن، تعريف الدولة، إقصاء الفلسطينيين في الداخل، والارتهان للولايات المتحدة.

تصريح بيني غانتس بعدم استبعاده المشاركة في حكومة مع نتنياهو ليس انزلاقًا تكتيكيًا، بل تعبير صريح عن مأزق المعارضة: فهي تخشى المتطرفين، لكنها لا تملك الجرأة لكسر الإطار الذي أنتجهم. وهكذا، يتحوّل نتنياهو إلى الخيار "الأقل سوءًا"، لا بفعل قوته، بل بفعل خواء البدائل.

تفكيك الدولة لحماية الفرد

بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واجهت "إسرائيل" أحد أخطر إخفاقاتها الأمنية. في أنظمة ديمقراطية وظيفية، كان من المفترض أن يؤدي ذلك إلى تحقيقات شاملة ومساءلات سياسية. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: جرى إغلاق الملف سياسيًا، لا لأنه غير خطير، بل لأنه خطير جدًا على من في السلطة.

التقاء مصالح نتنياهو مع سموتريتش وبن غفير هنا ليس صدفة. فبينما يسعى نتنياهو إلى الهروب من المحاسبة، يسعى تيار الصهيونية الدينية إلى تفكيك منظومة الرقابة والمحاسبة برمّتها، وإعادة تشكيل الدولة على أسس أيديولوجية سلطوية. اختلاف الدوافع لا يلغي وحدة النتيجة: دولة أضعف، وسلطة أكثر تحررًا من القيود.

الولايات المتحدة كشبكة أمان

في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل البعد الخارجي. علاقة نتنياهو بدونالد ترمب – بما فيها الدعوات العلنية لمنحه عفوًا – تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة النظام الدولي، حيث تُغفر الانتهاكات طالما يخدم الفاعل مصالح القوة المهيمنة.

موافقة نتنياهو على الانخراط في ما يُسمّى "مجلس السلام" ليست تحوّلًا أخلاقيًا، بل مناورة سياسية:

– تُرضي واشنطن في لحظة حساسة.

– تُربك الحلفاء المتطرفين دون أن تُسقط الحكومة.

– وتُضعف المعارضة عبر إعادة تأطير نتنياهو بوصفه “رجل الدولة الضروري”.

سياسة بلا أخلاق… وبلا خجل

ضمن هذا النموذج من الحكم "نتنياهو"، لا تُمنح الصورة العامة أو النزاهة السياسية أي قيمة وظيفية، طالما أن البقاء في السلطة مضمون. الإهانات في الكنيست، الاحتجاجات، الاتهامات… كلها ضوضاء مؤقتة في نظره. ما يهم هو البقاء، لأن البقاء يعني الحصانة، ويعني التحكم بالسردية، ويعني إعادة إنتاج السلطة.

هنا، لا يعود الحديث عن "فساد فردي"، بل عن نظام يكافئ انعدام النزاهة طالما يخدم الاستقرار الزائف.

في المحصلة؛ تكمن الإشكالية الأساسية في النموذج السياسي الذي يمثّله نتنياهو، لا في خصائصه الشخصية، بل في نجاحه. نجاحه في تحويل الأزمات البنيوية إلى أدوات حكم، وفي إثبات أن النظام قادر على التكيّف مع الفشل بدل تصحيحه، وفي ترسيخ نموذج سياسي لا يرى في القانون سوى عائق، ولا في المجتمع سوى مادة للانقسام.

من هنا، فإن حالة نتنياهو تعكس التناقض القائم بين الخطاب الدولي حول العدالة، والممارسات الفعلية في إدارة الصراعات والتحالفات.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور