الخميس 08 كانون الثاني , 2026 09:52

الاقتصاد السعودي بين طموح بن سلمان وحدود القدرة الاجتماعية

يمكن قراءة ميزانية السعودية لعام 2026 بوصفها بيان سياسي-اقتصادي يعكس طبيعة الرهان الذي اختارته المملكة في مرحلة دقيقة من تحولها البنيوي. فخطة الاقتراض التي تتجاوز 217 مليار ريال، والعجز المتوقع عند 165 مليار ريال، يعبّران عن خيار يقوم على تأجيل كلفة اليوم مقابل وعد الغد. وهذا ما يطرح  سؤالاً مركزياً: هل تمتلك الرياض هامش الوقت والموارد الاجتماعية لتحمّل هذا الرهان حتى نهايته؟

منذ إطلاق رؤية 2030، انتقلت المالية العامة من نموذج الفائض الحذر إلى نموذج الإنفاق التوسعي الممول بالعجز. هذا التحول تزامن مع تراجع تدريجي في قدرة النفط على لعب دور صمام الأمان المالي. صحيح أن المملكة لا تزال من أكبر المنتجين عالمياً، لكن النفط لم يعد مصدراً مستقراً للإيرادات، إنما متغير خارجي متقلب، تحكمه أسواق عالمية واتفاقيات إنتاج لا تخضع لإرادة الرياض وحدها.

تراهن المملكة على أن الإنفاق الكثيف سيخلق اقتصاداً غير نفطي قادراً لاحقاً على تمويل نفسه. غير أن المشكلة لا تكمن في المبدأ، بل في تركيبة هذا الإنفاق وتوزيعه الزمني والاجتماعي.

التحول اللافت في السنوات الأخيرة ليس فقط ارتفاع العجز، بل تسارُع وتيرة الاقتراض مقابل تباطؤ ملموس في العائد الاقتصادي لبعض المشاريع الكبرى. جزء غير قليل من الإنفاق وُجّه إلى مشاريع رمزية ضخمة ذات أفق زمني طويل وعائد غير مؤكد، في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية – مثل سوق العمل، الإسكان، والتعليم النوعي – من فجوات بنيوية مباشرة التأثير على المجتمع.

 تظهر الدولة السعودية مستعدة لتحمّل دين عام متصاعد لتمويل التحول، لكنها أقل استعداداً لإعادة توجيه الإنفاق بما يخفف الكلفة الاجتماعية لهذا التحول. فارتفاع تكاليف المعيشة، وضغط السكن في المدن الكبرى، واستمرار فجوة التوظيف في القطاع الخاص، كلها مؤشرات على أن الاقتصاد الكلي يُدار بمعزل نسبي عن الاقتصاد المعيشي.

يضاف إلى ذلك بُعد آخر يرخي بحساسيته وخطورته أيضاً وهو الإنفاق الخارجي المتزايد في عدد من الدول التي تطمح فيها الرياض لكسب ما. فبين استثمارات سياسية-اقتصادية في الخارج -كالمبالغ الضخمة التي قدمت للرئيس الاميركي دونالد ترامب قبل أشهر-، والتزامات بمئات المليارات ضمن شراكات دولية، يخلق واقع غير مريح داخلياً.

والإشكال ليس فقط بالاستثمار الخارجي بحد ذاته، إنما أيضاً بتوقيته وحجمه مقارنة بالاحتياجات المحلية. عندما تُربط مليارات الدولارات بتفاهمات سياسية دولية، في لحظة تعاني فيها الميزانية من عجز متزايد، يصبح السؤال الأبرز، من يتحمّل كلفة هذه الأولويات؟ الشعب.

اللافت أن الدولة لجأت في السنوات الماضية إلى إجراءات قاسية على الداخل لتعزيز الإيرادات، أبرزها رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 15%، دون أن تقابلها إعادة نظر جذرية في بنية الإنفاق غير المنتج اجتماعياً. هذا الخلل يخلق انطباعاً بأن المجتمع يموّل التحول مرتين: مرة عبر الضرائب وارتفاع الأسعار، ومرة عبر تأجيل العوائد المباشرة للتنمية.

من منظور اقتصادي بحت، لا تزال السعودية تمتلك بعض نقاط القوة، وهي دين عام دون مستويات الخطر، أصول سيادية، وقدرة على الوصول إلى أسواق المال. لكن من منظور سياسي-اقتصادي أعمق، فإن الاستدامة لا تُقاس فقط بنسبة الدين إلى الناتج، بل بمدى قبول المجتمع لمسار التحول.

الخطر الحقيقي لا يكمن في الإفلاس أو التعثر المالي، إنما في فجوة الثقة بين الخطاب الطموح والواقع المعيشي. فنجاح رؤية 2030 لن يُقاس بعدد المشاريع العملاقة أو المؤتمرات الدولية، بل بقدرتها على تحويل النمو غير النفطي إلى أمن اجتماعي واقتصادي فعلي، يشعر به المواطن السعودي ويؤثر بشكل مباشر على نمط وأسلوب حياته، ابتداء بالبطالة والتعليم والطبابة إلى الخدمات الاجتماعية الاخرى والبنى التحتية. وهنا لا نتحدث فقط بالحدود الجغرافية للعاصمة والمدن الكبرى كجدة، بل على كامل الخريطة السعودية، التي تتزايد فيها أحزمة البؤس والضواحي.

إذا استمر منطق العجز الآن والثمار لاحقاً دون ضبط دقيق للأولويات، فقد تجد المملكة نفسها أمام اقتصاد متحوّل نظرياً، لكنه مُنهك اجتماعياً. وفي لحظة يصبح فيها النفط لاعب غير مضمون، قد لا يكون هامش المناورة واسعاً كما يبدو اليوم.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور